مؤيد الدين الجندي
411
شرح فصوص الحكم
* ( لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) * « 1 » وهذا « 2 » حقيقة انقياد الباطن أن لا يبقى في النفس حرج ممّا قضى الله ورسوله ، ويسلَّم له في أخباره وأحكامه تسليما كلَّيا حقيقيا ، ويطلق الدين على الأمر الكلَّي الذي ينقاد إليه أهل الدين كلَّهم وهو الشرع الموضوع لذلك . و [ أمّا ] الاعتباران الآخران فسيأتيانك في مواضعهما . قال - رضي الله عنه - : « والذي من عند الله فهو الشرع الذي انقدت أنت إليه ، فالدين الانقياد ، والناموس هو الشرع الذي شرعه الله تعالى ، فمن اتّصف بالانقياد لما شرعه الله ، فذلك الذي قام بالدين وأقامه - أي أنشأه - كما يقيم الصلاة ، فالعبد هو المنشئ للدين ، والحق هو الواضع للأحكام ، والانقياد عين فعلك ، فما سعدت إلَّا بما كان منك ، فكما [ ما ] « 3 » أثبت السعادة لك ما كان إلَّا فعلك « 4 » ، كذلك ما أثبت الأسماء الإلهية إلَّا أفعاله وهي أنت وهي المحدثات ، فبآثاره سمّي إلها ، وبآثارك سمّيت سعيدا ، فأنزلك الله منزلته إذا أقمت الدين وانقدت لما شرعه لك ، وسأبسط لك - إن شاء الله تعالى - ما تقع به الفائدة [ بعد أن نبيّن الدين الذي عند الخلق ، الذي اعتبره الله ] » . قال العبد : لا شكّ أنّ الانقياد لأمر الله هو فعلك ، وسعادتك في الانقياد لأوامره ونواهيه ، والشقاوة في عدم انقيادك لذلك ، لأنّك إذا انقدت لأمره فقد أطعته ، وإذا أطعته فيما أمرك ونهاك ، كذلك أطاعك في إجابة سؤالك ، فما أجابك إلَّا بما أجبت له ، فما أسعدك إلَّا فعلك ، كما هو في الأصل ، فإنّ أفعال الله - وهي المحدثات - أثبتت له الأسماء الحسنى ، لأنّ المحدثات مخلوقات لله فأثبتت له الاسم « الخالق » وكذلك « الرازق » و « الربّ » و « الإله » .
--> « 1 » النساء ( 4 ) الآية 65 . « 2 » م : هذه . « 3 » أضيف لتستقيم العبارة . « 4 » في بعض النسخ : « فكما أثبت السعادة لك ما كان فعلك » .